مَحَبَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محبة
الحديث عن محبته عليه الصلاة والسلام متعة عظيمة ! أما الألسنة: فتترطب بذكره، والصلاة عليه، وأما الآذان: فتتشنف بسماع سيرته وهديه وحديثه، وأما العقول: فتخضع لما ثبت من الحكم والسنة التي جاء بها عليه الصلاة والسلام، وأما الجوارح والأعضاء: فتنتفع وتتمتع بموافقة هديه وفعله وحاله صلى الله عليه وسلم.
أولا :مفهوم المحبة:
المحبة كما قال ابن القيم، ووافقه ابن حجر قال: ' المحبة لا تُحَدُّ- أي لا يذكر لها تعريف- إذ هي أمر ينبعث بنفس يصعب التعبير عنه' .
ثم المحبة لها جوانب منها: محبة الاستلذاذ بالإدراك، كحب الصور الجميلة والمناظر والأطعمة والأشربة .. تلك محبة فطرية، أو تكون محبة بإدراك العقل، وتلك المحبة المعنوية التي تكون لمحبة الخصال الشريفة، والأخلاق الفاضلة، والمواقف الحسنة، وهناك محبة لمن أحسن إليك، ولمن قدم لك معروفاً، فتنبعث المحبة حينئذٍ ؛ لتكون ضرباً من ضروب الحمد والشكر، فينبعث الثناء بعد ذلك ترجمة لها وتوضيحاً لمعانيها .
ينبغي أن ندرك عظمة هذه المحبة، وهنا وقفة نتمم بها هذا:
فنحن نتعلق ونرتبط برسول الله صلى الله عليه وسلم من جوانب شتى: في جانب العقل معرفةً وعلماً، نقرأ ونحفظ سيرته وحديثه وهديه وسنته، والواجب منها والمندوب منها ونحو ذلك، ومحبةً بالقلب، وهي عاطفة مشبوبة، ومشاعر جياشة، ومحبة متدفقة، وميلٌ عاصف تتعلق به النفس والقلب برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما فيه من المعاني الحسية والمعنوية .
ثم محبة بالجوارح تترجم فيها المحبة إلى الاتباع لسنته وفعله عليه الصلاة والسلام، فلا يمكن أن نقول إن المحبة إتباعٌ فحسب ! فأين مشاعر القلب؟ ولا يصلح أن نقول إنها الحب والعاطفة الجياشة، فأين صدق الإتباع؟ ولا ينفع هذا وهذا ! فأين المعرفة والعلم التي يؤسس بها من فقه سيرته وهديه وأحواله عليه الصلاة والسلام؛ لذا فنحن نرتبط في هذه المحبة بالقلب والنفس، وبالعقل والفكر، وبسائر الجوارح والأحوال والأعمال، فتكمل حينئذٍ المحبة ؛ لتكون هي المحبة الصادقة الخالصة الحقيقية العملية الباطنية، فتكتمل من كل جوانبها؛ لنؤدي بعض حق رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا .
ثانيًا:حكم محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
هي واجبة على كل مسلمٍ قطعاً، والأدلة على ثبوت وجوبها كثيرة، ومن ذلك قول الله سبحانه- الذي جمع في آيةٍ واحدة كل محبوبات الدنيا، وكل متعلقات القلوب، وكل مطامع النفوس ووضعها في كفةٍ، وحب الله، وحب رسوله في كفةٍ- قال تعالى:{ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ[24]}[سورة التوبة].
وبين ابن القيم الدلالة على وجوب المحبة في هذه الآية من وجوهٍ كثيرة ضمنها أمرين:
الأول: أن يكون أحب إلى العبد من نفسه: لأن الأولوية أصلها الحب ونَفْسُ العبد أحب إليه من غيره، ومع هذا يجب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أولى به منها أي أولى به من نفسه وأحب إليه من نفسه، فبذلك يحصل له اسم الإيمان، ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضى والتسليم، وسائر لوازم المحبة من الرضى بحكمه، والتسليم لأمره، وإيثاره على ما سواه .
وأما الجانب الثاني: أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلاً: بل الحكم على نفسه لرسول صلى الله عليه وسلم، يحكم عليه أعظم من حكم السيد على عبده، أو الوالد على ولده، فليس له في نفسه تصرف إلا ما تصرف فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي هو أولى به من نفسه، أي بما جاء به عن الله عز وجل، وبلغهم من آياته وأقامه ونشره من سنته صلى الله عليه وسلم .
ومن هنا ذكر العلماء أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم على ضربين:
أحدهما: فرض، وهو المحبة التي تقتضي الإيمان بنبوته، وبعثته، وتلقي ما جاء به بالمحبة والقبول، والرضى والتسليم .
ودرجةً ثانية هي: محبة مندوبة، وهي تقصي أحواله ومتابعة سنته، والحرص على التزام أقواله وأفعاله قدر المستطاع والجهد والطاقة .
ثالثًا: لماذا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
هذا السؤال لنهيج القلوب والمشاعر لهذه المحبة، ولنؤكدها، ولنحرص على غرسها في سويداء القلوب والنفوس حتى تتحرك بها المشاعر، وتنصبغ بها الحياة، وتكون هي السمت والصبغة التي يكون عليها المسلم في سائر أحواله بإذن الله.
أولاً: نحبه؛ لأنه حبيب الله:ومن أحب الله؛ أحب كل ما أحبه الله، وأعظم محبوب من الخلق لله هو رسوله صلى الله عليه وسلم
ثانيًا: لأن الله أظهر لنا كمال رأفته وعظيم رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته: فنحن نحب الإنسان متى وجدناه بنا رحيماً، وعلينا شفيقًا، ولنفعنا مبادراً، ولعوننا مجتهداً .. فنحبه من أعماق قلوبنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو في هذا الباب أعظم مَنْ رحمنا، ورأف بنا، وإن كان بيننا وبينه هذه القرون المتطاولة، قال تعالى:{ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ[128]}[سورة التوبة].
ثالثًا: من دواعي محبته صلى الله عليه وسلم: خصائصه وخصاله العظيمة: ويكفينا في ذلك قول الله:{ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ[4]}[سورة القلم].
رابعًا: مظاهر محبته صلى الله عليه وسلم وعلاماتها: فلكل شيءٍ دليل، ولكل إدعاءٍ برهان، ومن هنا
نذكر بعض هذه المعالم العظيمة المهمة من مظاهر وعلامات محبته صلى الله عليه وسلم:
ومن أولها: محبته باتباعه، والأخذ بسنته صلى الله عليه وسلم: وكما قال ابن الجوزي مستشهدًا بقول مجنون ليلى:
إذا قيل للمجنون ليلى تريـد أم الدنيا وما في طواياهـا
لقال غبار من تراب نعالها أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها
ثانياً : الإكثار من ذكره صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه:
فمن أحب إنساناً أكثر ذكره، وأكثر ذكر محاسنه، فينبغي أن نعطر مجالسنا في كل وقتٍ وحينٍ بذكر مآثر النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرته وأحواله وشمائله، وهذا الذكر هو الذي يهيج هذه المحبة ويبعثها، وكثرة الصلاة عليه والسلام تترك هذا المعنى:{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[56]}[سورة الأحزاب].
لَكَ ذَنْبُكَ].
ثالثاً: تمني رؤيته والشوق إليه: وتلك بعض مشاعر المحبة، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ]رواه مسلم .
وكان بلال رضي الله عنه عند وفاته تبكي زوجته بجواره، فيقول: ' لا تبكي غدًا نلقى الأحبة محمداً وصحبه '.. فكان يشتاق للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو واحد من المبشرين بالجنة كما ثبت ذلك في الحديث. وهكذا روي عن حذيفة بن اليمان، وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهم أجمعين كلهم روى أو ذكر القاضي عياض في الشفاء أنهم قالوا:'غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه ' .
رابعًا : محبة الكتاب الذي أنزل عليه، والذي بلّغه لأمته:
وهو معجزته الخالدة إلى قيام الساعة، كلام الله وكتابه العظيم، الذي فيه الهدى والنور، فمن أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب القرآن، والتعلق به .
خامسًا: محبة آل بيته صلى الله عليه وسلم:ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم .
خامسًا:الأسباب الجالبة لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم:
أولها: تعظيم محبة الله.
ثانياً: قراءة سيرته صلى الله عليه وسلم: اقرأوا السيرة، وعلموها أبنائكم،
ثالثاً: تذكر الأجر العاجل في الدنيا والآجل في الآخرة بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم.
رابعاً: تولى الصحابة رضوان الله عليهم، والإكثار من ذكر سيرتهم.
خامساً: تعظيم السنة النبوية:حتى إذا قيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون منك ما كان من الصحابة .. يقول الراوي كانوا إذا قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: اشرأبت الأعناق، وشخصت الأبصار، وأصغت الأسماع .. لا انصراف ولا التفات ولا تحرك، بل احترام وإجلال لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
سادساً: إجلال المحبين للسنة والعاملين بها: كل محدّثٍ، وكل عاملٍ بسنة، وكل ملتزمٍ للسنة نحبه؛ لأنه يذكرنا برسول الله صلى الله عليه وسلم .
سابعاً: الذبّ عن السنة والدفاع عنها
سادساً:ثمار المحبة:
هذه المحبة في الدنيا عون على الطاعة، والإكثار من العبادة، وخفة ذلك على النفس، وإقبال الروح على مزيدٍ من الطاعات .. وأما في الآخرة فحسب المحبة أن تكون نجاته من النار، ولحوقاً برسول الله صلى الله عليه وسلم كما قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ]رواه البخاري ومسلم.
من محاضرة:'مَحَبَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ' للشيخ/ علي بن عمر بادحدح









رد مع اقتباس
